أحمد بن يحيى العمري
73
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
لجاريته ، وعرفناها برغبة السلطان فيه ، وحثه على طلبه . وحدثني الفقيه أبو الصفاء عمر بن إسحاق الشبلي أن هذا السلطان لا يفارق العلماء سفرا ولا حضرا [ 1 ] ، قال : وكنا معه في بعض غزواته ، فلما كنا في أثناء الطريق جاءته من مقدمة عساكره كتب البشرى بالفتوح ، ونحن بين يديه ، فحصل له السرور ، وقال : هذا ببركة هؤلاء العلماء ، ثم أمر بأن يدخلوا بيت المال ، ويحملوا من بيت المال ما قدروا عليه ، ومن كان منهم ضعيفا يستنيب من يحمل من ذلك المال عنه ، قال : فدخلوا إلى الخزانة ، ولم أدخل أنا ولا كثير من أمثالي لأننا لم نكن من تلك الطبقة ، وحمل أولئك « 1 » كل واحد كيسين ، كل كيس عشرة آلاف درهم إلا واحدا منهم ، فإنه حمل ثلاثة أكياس ، اثنين تحت إبطيه ، وآخر فوق رأسه ، فلما رآهم السلطان ضحك تعجبا من حرص الذي حمل الثلاثة ، وسأل عن بقية الجماعة ، ممن لم يدخل مثلي ، فقيل له إن هؤلاء دون أولئك لأن هؤلاء من المدرسين ، وهؤلاء من المعيدين ، فأمر لكل واحد منا بعشرة آلاف درهم ، ففرقت علينا . قال : ومنار الشرع عنده قائم ، وسوق أهل العلم لديه رائج ، يشار إليهم بالتوقير والإجلال ، وهم في غاية المحافظة على ما ينقام به ناموسهم من اصطلاح « 2 » الظاهر والباطن والمداومة على قراءة العلم ( المخطوط ص 28 ) ، وإقرائه ، والتحري في كل أمورهم ، والاقتصاد في جميع أحوالهم ، وهذا السلطان لا يتأنى عن الاجتهاد في الجهاد برا وبحرا ، لا يثنى عنه عنانه ولا سنانه ، ولا يزال هذا دأبه ، نصب عينه ، ودبر أذنه ، وقد بلغ مبلغا عظيما في إعلاء كلمة الإيمان ، ونشر الإسلام في تلك
--> ( 1 ) رابح ب 75 . ( 2 ) اصلاح ب 75 .